وكالة مهر للأنباء: أظهر استطلاع حديث نشرته صحيفة «معاريف» العبرية أن 55% من سكان الأراضي المحتلة يشعرون بالقلق من اندلاع حرب جديدة بين الكيان الصهيوني وإيران خلال الفترة المقبلة. وبالتزامن مع ذلك، تتحدث أوساط استراتيجية وأمنية صهيونية عن احتمال استعداد إيران لتنفيذ هجوم واسع ومنسق عبر عدة جبهات، مع إمكانية تفعيل حلفائها في لبنان واليمن والعراق وفلسطين.
ورغم أن هذه السيناريوهات لا يمكن التعامل معها باعتبارها معلومات مؤكدة بشأن خطط طهران العسكرية، فإن مجرد تداولها داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية يكشف عن تغير في طبيعة النظرة إلى القدرات الإيرانية.
من ضربة محدودة إلى حرب متعددة الجبهات
لم يعد القلق الإسرائيلي يتركز فقط على احتمال تعرض الأراضي المحتلة لهجمات صاروخية إيرانية، بل يتسع ليشمل إمكانية اندلاع مواجهة متزامنة على أكثر من جبهة.
وفي حال نشوب مثل هذا السيناريو، سيضطر الاحتلال إلى توزيع قدراته العسكرية والاستخبارية والدفاعية بين جبهات مختلفة، بالتوازي مع حماية المنشآت العسكرية والبنية التحتية والمراكز السكانية.
وحتى في حال عدم تحقق التنسيق الكامل بين مختلف الأطراف الإقليمية، فإن اضطرار الاحتلال إلى الاستعداد لسيناريو متعدد الجبهات من شأنه أن يفرض عليه أعباء أمنية وعسكرية كبيرة.
حرب الأربعين يوماً غيّرت الحسابات
تزداد أهمية هذه المخاوف في ضوء ما أظهرته الحرب الأربعينية الأخيرة، إذ أثبتت إيران أنها لن تكتفي بالدفاع عن أراضيها في حال تعرضها لهجوم مباشر، بل ستستخدم قدراتها الصاروخية والاستخبارية للرد على مصادر الهجوم ومصالح الطرف المقابل.
كما أن استهداف مواقع استراتيجية في الأراضي المحتلة ومواقع وقواعد أميركية في المنطقة حمل رسالة واضحة مفادها أن مهاجمة إيران لن تكون عملية منخفضة الكلفة بالنسبة إلى المهاجم.
وتكمن أهمية هذه المعادلة في تأثيرها على الحسابات المستقبلية، إذ إن الردع لا يعني فقط امتلاك القدرة على توجيه الضربة، وإنما امتلاك القدرة على جعل الطرف الآخر يدرك أن الضربة الأولى ستترتب عليها كلفة حقيقية.
الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي
سعى الاحتلال طوال السنوات الماضية إلى تكريس صورة تقوم على التفوق الجوي والتقنيات المتقدمة للدفاع الصاروخي والقدرات الاستخبارية العالية، بما يمنح المستوطنين شعوراً واسعاً بالأمن.
لكن المواجهة المباشرة مع إيران وتجربة الهجمات الصاروخية أظهرت أن الفجوة بين القوة العسكرية والشعور بالأمن داخل المجتمع الإسرائيلي يمكن أن تكون كبيرة.
وعندما يبدي أكثر من نصف المجتمع قلقه من اندلاع حرب جديدة مع إيران، فإن هذا القلق يتحول إلى عامل سياسي مؤثر؛ إذ لا تقتصر حسابات الحكومات عند اتخاذ قرار الحرب على القدرات العسكرية، بل تشمل أيضاً قدرة المجتمع على تحمل الخسائر البشرية والاضطرابات الاقتصادية والأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية واستمرار المواجهة لفترة طويلة.
واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً
لا يمكن فصل الحسابات الإسرائيلية عن الدور الأميركي، في ظل اعتماد الاحتلال على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والتسليح والدفاع الجوي والدعم اللوجستي.
وأظهرت المواجهة الأخيرة أن إيران لا تفصل في حسابات الرد بين الاحتلال والمصالح والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، ما يعني أن أي حرب جديدة يمكن أن تضع واشنطن أمام أعباء إضافية تتجاوز مجرد دعم إسرائيل.
وفي حال توسع المواجهة، ستكون الولايات المتحدة مطالبة في الوقت نفسه بحماية قواتها وقواعدها ومصالحها في المنطقة، الأمر الذي قد يجعل هامش القرار الأميركي أكثر تعقيداً.
القدرة على الهجوم ليست ضمانة للنصر
ومع ذلك، فإن المخاوف داخل المجتمع الإسرائيلي لا تعني أن الاحتلال فقد قدرته العسكرية أو أصبح عاجزاً عن تنفيذ عمليات ضد إيران. فما زال يمتلك قدرات عسكرية واستخبارية متقدمة، ويمكنه تنفيذ عمليات واسعة إذا اتُخذ القرار السياسي بذلك.
لكن ما تغير هو مستوى الثقة بالنتيجة وإمكانية السيطرة على كلفة الحرب ومسارها
وهنا يكمن جوهر معادلة الردع؛ فهناك فرق كبير بين امتلاك القدرة على توجيه الضربة الأولى وبين القدرة على التحكم بتداعياتها وتحديد موعد انتهائها.
إيران تحاول فرض معادلة جديدة
إذا أدرك الطرف المهاجم أنه قادر على توجيه الضربة الأولى، لكنه غير قادر على توقع حجم الرد أو السيطرة على مسار التصعيد، فإن قرار الحرب يصبح أكثر صعوبة.
وهذا ما حاولت إيران تكريسه خلال المواجهة الأخيرة: أن الهجوم عليها لن يكون بلا ثمن، وأن الطرف الذي يبدأ الحرب لا يستطيع بالضرورة تحديد ميدانها أو مدتها أو نهايتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى نتائج استطلاع «معاريف» باعتبارها مؤشراً على واقع أوسع، يتمثل في تحول الحرب مع إيران بالنسبة إلى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي من تهديد بعيد إلى مصدر قلق مباشر وملموس.
55 بالمائة.. أكثر من مجرد رقم
إن نسبة 55% التي أظهرها الاستطلاع لا تمثل مجرد رقم اجتماعي، بل يمكن أن تعكس ارتفاع الكلفة النفسية والأمنية لأي مواجهة جديدة مع إيران.
فالردع يكتسب معناه الحقيقي عندما يبدأ الخصم، قبل اتخاذ قرار الهجوم، في حساب الثمن المحتمل للخطوة.
وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أي عدوان عليها سيواجه برد، وأن الحرب لا يمكن أن تبدأ من طرف واحد وتُحمّل تكاليفها على الطرف الآخر فقط.
وبالتالي، فإن تنامي المخاوف داخل الأراضي المحتلة قد يشير إلى أن الحسابات المتعلقة بشن حرب جديدة ضد إيران أصبحت أكثر تعقيداً؛ فربما يستطيع المهاجم تحديد لحظة البداية، لكنه لن يكون بالضرورة قادراً على تحديد النهاية یا التحكم في كلفة الحرب.

تعليقك